الشيخ محمد رشيد رضا

529

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من غير المسلمين ، والمعاهد من بيننا وبينه أو بين قومه معاهدة على السلم . والمراد أن غير المسلم إذا لم يكن حربيا فهو مساو للمسلمين في احترام ماله ونفسه وعرضه وفي أحكام الشريعة التي تصدر بذلك . والشاهد المراد لنا من الحديث أن الحق في شرع اللّه تعالى مقصود لذاته ، وان حكم الحاكم ولو كان رسولا من رسل اللّه انما ينفذ على الظاهر لأنه حكم بالظاهر دون الباطن ، فإذا علم المحكوم له انه خطأ في الواقع لم يحل له ديانة والحديث ليس نصا في وقوع الخطأ أو جوازه منه ( ص ) إذ يصح ان يكون قاله على سبيل الفرض حتى لا يستعين أحد بخلابة اللسان لدى الحكام على القضاء له بالباطل . والذين قالوا بجواز خطأ الأنبياء في اجتهادهم قالوا إن اللّه تعالى لا يهم عليها . على أن الحكم هنا بالبينة وهي انما تكون بحسب الظاهر لا بمحض الاجتهاد وهذه المباحث ليست من موضوعنا هنا هذا مثال لكون التوحيد في العبادة هو لمصلحة الناس وتكريمهم واعلاء شأنهم . وكذلك سائر العبادات وأحكام الحظر والإباحة حتى ما يسمونه في عرف هذا العصر بالاحكام المدنية - قد شرعت لدفع المفاسد وتير الصالح العامة والخاصة وترى غير المؤمن المتدين لا يلتزم اجتناب كل مفسدة بل يستبيح ما يراه نافعا له وإن كان ضارا بغيره فردا كان أو جماعتها وأمة بأسرها فان مجرد العلم بكون الأمانة خيرا من الخيانة وكون القسط في البيع والشراء وسائر المعاملات خيرا من الغش والخيانة وبخس الحقوق - لا يكفي لحمل الجمهور على العمل به ، أولا لان هذا العلم إجمالي يعرض له عند التفصيل ضروب من الاشكال في تحديد الأمانة والخيانة والقسط والبخس وضروب من الهوى في تطبيق حدودها أو رسومها على جزئياتها ، وضروب من التأويل والشبهات في المساواة فيها بين اليب والغريب والصديق والعدو والضعيف والقوي والفقير والغني . وأما الدين فيوجب على المؤمن إقامة العدل لذاته بالمساواة كما قال تعالى ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أن لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ويقول ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا « 1 » وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ بصيرا ) لم يصل البشر في عصر من عصور التاريخ إلى عشر ما وصلوا اليه في هذا العصر

--> ( 1 ) قوله تعالى ( أَنْ تَعْدِلُوا ) معناه كراهة أن تعدلوا أو امتناعا من أن تعدلوا